عبد الملك الجويني

347

نهاية المطلب في دراية المذهب

والثاني : أن ركعتي الفجر آكد وأفضل ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ركعتا الفجر خير من الدنيا بما فيها " ( 1 ) ، وقال في صلاة الوتر : " إن الله تعالى زادكم صلاةً هي خير من حمر النَّعَم " ( 2 ) ، فالصلاة التي قدمت على الدنيا بما فيها آكد وأفضل . وقالت عائشة : " ما كان يتسرع رسول الله إلى شيء تسرعه إلى ركعتي الفجر ، ولا إلى غنيمة ينتهزها " ( 3 ) . وكان شيخي يؤثر أن يقدم صلاة الضحى - من حيث إنها مؤقتة بنفسها - على النوافل الراتبة . وليس الأمر على ما ذكره ؛ فإن السلف ما كانوا يواظبون عليها ، حسب مواظبتهم على النوافل الراتبة ، فالذي أراه أنها مؤخرة عن جميع النوافل الراتبة التابعة للفرائض . وقد قال الشافعي في الوتر : يشبه أن تكون صلاة التهجد ، وهذا معناه عند المحققين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالتهجد ، وقيل : كان فرضاً عليه ، فقال الشافعي : المعنيّ بالتهجد في قوله تعالى : { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ } [ الإسراء : 79 ] صلاةُ الوتر ، وهي التي كانت محتومة عليه ، لا يتركها في حضر ولا سفر ، وقد ورد في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم قال : " كتب علي ثلاثٌ ، لم تكتب ْعليكم ، وذكر من جملتها الوتر " ( 4 ) ، فإن قيل : قد سمى الله التهجد نافلة في حقه ،

--> ( 1 ) حديث : " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " أخرجه مسلم بهذا اللفظ من حديث عائشة . ( مسلم : 1 / 501 ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب ( 14 ) استحباب ركعتي الفجر ، والحث عليهما ، ح 725 ) . ( 2 ) حديث : " إن الله زادكم صلاة . . . " رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، والدارقطني ، والحاكم من حديث خارجة بن حذافة . وفي الباب عن معاذ بن جبل ، وعمرو بن العاص ، وعقبة بن عامر ، وأبي بصرة الغفاري ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمر ، ولم يسلم واحد منها من مقال . ( ر . التلخيص : 2 / 16 ح 523 ، وانظر : أبو داود : الصلاة ، باب استحباب الوتر ، ح 1418 ، والترمذي : أبواب الصلاة ، باب ما جاء في فضل الوتر ، ح 452 ، وابن ماجة : إقامة الصلاة ، باب ما جاء في الوتر ، ح 1168 ، والدارقطني : 2 / 30 ، والإرواء : 2 / 156 ) . ( 3 ) حديث عائشة متفق عليه بلفظ : " لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشدَّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر " . ( ر . اللؤلؤ والمرجان : 1 / 141 ح 422 ) . ( 4 ) يشير إلى حديث ابن عباس " ثلاث هن علي فرائض ، ولكم تطوّع : النحر ، والوتر ، وركعتا =